حفيد الصحابة
04-01-2007, 10:40 PM
الحرب الوقائية والاستسلام الوقائي
يمتاز العقيد معمر القذافي بالقدرة على الإثارة دائما. ورغم ما يوصم به الرجل عادة من عدم تركيز يبلغ عند البعض حد الجنون، فليس هو بالرجل الغبي أو المجنون على الإطلاق. وإذا صح عن القذافي ما يقول خصومه، فلعله من "عقلاء المجانين" على مذهب ابن حبيب مؤلف الكتاب المعنون بهذا العنوان.
لكني أعتقد أن الزعيم الليبي ليس مجنونا ولا غبيا أبدا، كل ما في الأمر أن للرجل أسلوبه المختلف عن أساليب أغلب قادة الدنيا. أما جوهر سياساته - غير مزخرفة بزخرف القول الذي يصحبها عادة - فهو البقاء في السلطة بأي ثمن، ثم توريثها لابنه، كما هو شأن كل القادة العرب.
وقد تشرفت بلقاء العقيد وجها لوجه عام 1996 مشاركا في "المؤتمر التأسيسي الأول لمقاومة الاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني"، ورأيت كيف تحول أعضاء المؤتمر بقدرة قادر إلى "ضيوف الفاتح"، إذ كان المؤتمر مرتبا بشكل متزامن مع عيد الثورة الليبية. ولم ينته المؤتمر إلا وقد أصدر الأخ القائد – في إطار مقاومة التطبيع طبعا! - أمره بطرد آلاف الفلسطينيين من ليبيا، وتركهم لمصيرهم في لهب الصحراء. وفي خطابه بمناسبة عيد الفاتح شتم الأخ القائد كلا من مصر والسودان وتشاد شتما مقذعا، وهي الدول الثلاث الوحيدة التي شاركت بوفود رسمية في احتفالات عيد الفاتح.
وفي تلك الزيارة القصيرة لليبيا، اكتشفت أن الأخ معمر اقتحم عالم الفتوى والأدب، بعدما ملأ الدنيا وشغل الناس بكتابه الأخضر ونظريته العالمية الثالثة. واطلعت على مجموعته القصصية "الأرض الأرض.. والقرية القرية. وانتحر رائد الفضاء"..
تلكم بعض الذكريات المريرة - الممزوجة بلذة الاكتشاف – التي ثارت في نفسي وأنا أتابع مبادرة الزعيم الليبي الأخيرة بالتخلي عن جميع برامج بلده التسلحية، ضمن اتصالات وتفاهمات لم تتضح كل أبعادها بعدُ مع سادة النظام العالمي الجديد.
ولأن الأخ القائد متمرس في فن التبرير، فقد أخرج مبادرته في ثوب من العبقرية السياسية والحكمة المتناهية، وطلب إعلامُه من الدول العظمى – قبل الصغرى - الاقتداء به. بل ذكرت القيادة الليبية أنها بمبادرتها تريد "إحراج إسرائيل" في الوقت الذي عبرت فيه إسرائيل عن غبطتها بالمبادرة. فهل سيقتنع بذلك من كانوا يستمعون إلى خطابات الأخ القائد الملتهبة خلال أربعة وثلاثين عاما؟ إن "اللجان في كل مكان" وقد تكون اللجان في كل زمان أيضا.. وهي كفيلة بذلك.
لم يتخل القذافي عن برامجه التسلحية بمحض اختياره وبشكل مشرِّف – كما فعلت جنوب أفريقيا – بل اختار لذلك أسوأ ظرف، فربط الجميع بين هذا التخلي وبين اعتقال صدام حسين، بكل ما يحمله ذلك من دلالات الخنوع من طرف قائد الثورة الليبية الذي حمل راية التحدي والعنتريات ثلاثة عقود. ولم يتخل عنها في وقت مناسب يمكِّنه من تدارك بعض المحن التي قاد إليها شعبه، بل جاء قراره متأخرا سبعة عشر عاما، وقد كان الأولى - والخاتمة هذه - أن يرفع الراية البيضاء عام 1986 حينما قصفت الطائرات الأمريكية مقر إقامته.
لكن نظرية "الاستسلام الوقائي" هذه التي تمخض عنها ذهن العقيد القذافي مؤخرا، لا يمكن فهم أبعادها إلا بوضعها في إطار نظرية "الحرب الوقائية" التي تمخض عنها ذهن الرئيس الأمريكي جورج بوش منذ عامين. ففي معرض تبريره للحرب ضد العراق مطلع هذا العام صرح جورج بوش أن "الانتظار حتى يضرب الإرهابيون ليس خيارا، بل هو انتحار". بينما صرح لسان حال القذافي وغيره من القادة العرب أن الانتظار حتى تظهر طلائع الجيش الأمريكي ليس خيارا بل هو انتحار أيضا.
وهكذا ظهر في تاريخ المنطقة حلف جديد بين نظريتين تهدف إحداهما إلى الإخضاع وتبرر الأخرى الخضوع. وليست النظريتان جديدتين على الإطلاق، ولا هما ابتداع من القذافي وجورج بوش، بل كانتا موجودتين منذ عقود على الجانبين العربي والأمريكي، وليس التزام واشنطن "الأخلاقي" بتفوق إسرائيل على كل جيرانها العرب سوى تعبير عن منطق الإخضاع، وليست نظرية حسني مبارك حول "تجريد منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل" سوى صياغة مهذبة لمنطق الخضوع. إنما الجديد هو الجرأة في الطرح على الجانبين، دون مجاملة من السيد ولا حرج من العبد.
لقد كتبت يهوديت رونين من معهد "موشي دايان للدراسات الشرق الأوسطية والإفريقية" في تل أبيب أن مبادرة القذافي هي "هدية أعياد الميلاد" منه إلى جورج بوش، وهي محقة في ذلك، ففي ظل هذا الحلف الجديد، قدم القذافي لبوش ما عجز عنه في العراق، وأعطى مصداقية لفلسفة بوش وأمراء الحرب المحيطين به.
لكن موطن الضعف في التحالف الجديد بين "الحرب الوقائية" و"الاستسلام الوقائي" هو أن كلتا النظريتين تتغذى بالخوف وتغذيه، بينما تطمح كلتاهما إلى توفير السلم والأمن. ولذا فإن هذا الحلف سيكون له على الراجح أثر عكسي مدمر، على الأنظمة العربية وعلى المصالح الأمريكية. فتخلي الدولة - أي دولة – عن وظيفتها المبدئية في الدفاع عن أرواح مواطنيها وكرامتهم لا يمكن إلا أن يدفع مواطني تلك الدولة إلى أخذ أمر الدفاع والأمن بأيديهم. وظاهرة الإرهاب – في مدلولها السياسي والمجتمعي – لا تعدو أن تكون تحركا غير منطقي من شعوب تخلي قادتها عن كل منطق، وإمساك من الأفراد للقانون بأيديهم في بلدان لم يعد فيها قانون.
وهكذا فإن أمريكا بدفعها القادة العرب إلى حضيض الاستسلام، تزود الشعوب العربية بمزيد من دوافع الفعل العنيف والحركة غير الموزونة، وتتركها مكشوفة أمام مصيرها مجردا من كل زخرف أو غطاء. وهذا الانكشاف النفسي، المطعم بشيء من مرارة المهانة وروح الانتقام، سيكون أخطر على أمن الولايات المتحدة من الأسلحة الروسية الصدئة في مخازن بعض الدول العربية، وهو أخطر من برامج "أسلحة الدمار الشامل" الوهمية التي ظل القول حولها أكثر من الفعل بكثير.
وفي واقع يطبعه إفلاس السلطة وخضوعها وإخضاعها ينفتح في الدول العربية والإسلامية مجال واسع لمبادرات الأفراد والجماعات الخارجة على السلطة المحلية وعلى النظام الدولي كليهما، ممن لا يجدون مكانا لهم في عالم القوة هذا، ولا يجدون فيه أملا في إحقاق حق أو إقامة عدل. وهو ما يعني أن على الحلفاء الجدد من فلاسفة "الحرب الوقائية" و"الاستسلام الوقائي" أن يستعدوا لمصاعب مستقبيلة جدية، وما محاولة اغتيال الجنرال مشرف سوى إشارة إلى الأيام الدموية الآتية.
ليس من شأن القيادة الحياد، ولا طبيعة القيادة تسمح بذلك: فهي إما أن تقود أو تتحول إلى قيد، وبإمعان أمريكا في تقييد قادة الدول العربية والمسلمة، وتحويلهم إلى قيود على شعوبهم، وبإمعانها في إقصاء القوى السياسية - الإسلامية وغير الإسلامية - المؤمنة بالديمقراطية والحوار، والتي تصلح بديلا منطقيا لهذه الأنظمة، فإنها تعضِّد معسكر العنف السياسي، وتضع المبادرة في يد من يتبنونه نهجا وحيدا في المنازلة والتغيير.
وباستسلام قادة الدول العربية والإسلامية لهوى واشنطن في الطاعة غير المشروطة، وبإقصائهم منافسيهم من قوى التداول السلمي، فإنهم لا يتركون لشعوبهم من خيار سوى اللحاق بقوى العنف ودعمها، بعد أن انسدت كل السبل أمامها.. فهل يدرك الأمريكيون وزبناؤهم في المنطقة أي سياسة قصيرة النظر ينتهجون؟!
ويبقى القول إن القذافي بنى نظريته في الاستسلام الوقائي على قراءة سياسية خاطئة كالعادة، فهدف الولايات المتحدة ليس حماية أرواح الأمريكين من الأسلحة الليبية، ولو كان الأمر كذلك لهان الأمر وقرب المأخذ، لكن هدف الولايات المتحدة لا صلة له بذلك، ولم تكن الأسلحة الليبية – حتى في عز الحماس الثوري لدى العقيد – خطرا على أرواح الأمريكيين. فنزع الأسلحة لن يغير من أهداف أمريكا، ولن يوقف طموحها في ضم ليبيا – بعد العراق - إلى لائحة الدول العربية النفطية التي تتحكم في قرارها الاستراتيجي منذ خمسين عاما، والعقيد القذافي ولو خرج من جلده لا يصلح عضوا في ذلك النادي.
وتؤكد لنا مبادرة القذافي المفاجئة لليبيين قبل غيرهم أن شرعية القرار السياسي تستلزم وجود سلطة شرعية ابتداء، فالفصل بين شرعية بناء السلطة وشرعية أدائها الذي طالما استغله القادة "الثوريون" العرب لتبرير تسلطهم لم يعد له معنى، ولم يعد أمام الشعوب سوى تغيير بنية السلطة بما يجعلها تتجاوز ذاتها وتخدم الشعب، بدلا من خدمة الذات أو خدمة الأجنبي المتحكم. إن ما دعاه الدكتور برهان غليون "تغيير منطق السلطة" هو الخيار الوحيد أمام الشعوب العربية للحفاظ على ما تبقى لها من ماء وجه يكاد يغيض، ومقومات بقاء تكاد تنضب
يقولون إن الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب، لكن يبدو أن حرب واشنطن على ما يدعى "الإرهاب" ستكون استثناء من هذا القول: فقد أدت إلى تكشف العديد من الحقائق وانكشاف العديد من السوءات أمام الشعوب العربية، وأهمها حقيقة بعض الأنظمة التي طالما تغذت على شعارات التحرر والثورة.
لقد أسلم الحكام العرب - وآخرهم القذافي - شعوبهم أمام أول عدو طارق، وتخلوا عن آخر مقومات الشرعية السياسية، لكن أمرا واحدا يستحقون عليه الشكر الجزيل، رغم أنه جاء متأخرا بعض الشيء، وهو أنهم كشفوا عن وجوههم حاسرة في نهاية المطاف.. فشكرا لهم نيابة عن كل مواطن عربي..
وأخيرا لا بد أن نعترف أن عقيدة بوش في الحرب الوقائية برهنت على نجاحها في التعاطي مع أنظمة غير شرعية لا يهمها غير حماية عروشها المتهاوية، لكن هل تنجح تلك العقيدة في التعاطي مع أمة عظيمة بدأت تتقدم إلى مسرح التاريخ بعد طول غياب؟
يمتاز العقيد معمر القذافي بالقدرة على الإثارة دائما. ورغم ما يوصم به الرجل عادة من عدم تركيز يبلغ عند البعض حد الجنون، فليس هو بالرجل الغبي أو المجنون على الإطلاق. وإذا صح عن القذافي ما يقول خصومه، فلعله من "عقلاء المجانين" على مذهب ابن حبيب مؤلف الكتاب المعنون بهذا العنوان.
لكني أعتقد أن الزعيم الليبي ليس مجنونا ولا غبيا أبدا، كل ما في الأمر أن للرجل أسلوبه المختلف عن أساليب أغلب قادة الدنيا. أما جوهر سياساته - غير مزخرفة بزخرف القول الذي يصحبها عادة - فهو البقاء في السلطة بأي ثمن، ثم توريثها لابنه، كما هو شأن كل القادة العرب.
وقد تشرفت بلقاء العقيد وجها لوجه عام 1996 مشاركا في "المؤتمر التأسيسي الأول لمقاومة الاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني"، ورأيت كيف تحول أعضاء المؤتمر بقدرة قادر إلى "ضيوف الفاتح"، إذ كان المؤتمر مرتبا بشكل متزامن مع عيد الثورة الليبية. ولم ينته المؤتمر إلا وقد أصدر الأخ القائد – في إطار مقاومة التطبيع طبعا! - أمره بطرد آلاف الفلسطينيين من ليبيا، وتركهم لمصيرهم في لهب الصحراء. وفي خطابه بمناسبة عيد الفاتح شتم الأخ القائد كلا من مصر والسودان وتشاد شتما مقذعا، وهي الدول الثلاث الوحيدة التي شاركت بوفود رسمية في احتفالات عيد الفاتح.
وفي تلك الزيارة القصيرة لليبيا، اكتشفت أن الأخ معمر اقتحم عالم الفتوى والأدب، بعدما ملأ الدنيا وشغل الناس بكتابه الأخضر ونظريته العالمية الثالثة. واطلعت على مجموعته القصصية "الأرض الأرض.. والقرية القرية. وانتحر رائد الفضاء"..
تلكم بعض الذكريات المريرة - الممزوجة بلذة الاكتشاف – التي ثارت في نفسي وأنا أتابع مبادرة الزعيم الليبي الأخيرة بالتخلي عن جميع برامج بلده التسلحية، ضمن اتصالات وتفاهمات لم تتضح كل أبعادها بعدُ مع سادة النظام العالمي الجديد.
ولأن الأخ القائد متمرس في فن التبرير، فقد أخرج مبادرته في ثوب من العبقرية السياسية والحكمة المتناهية، وطلب إعلامُه من الدول العظمى – قبل الصغرى - الاقتداء به. بل ذكرت القيادة الليبية أنها بمبادرتها تريد "إحراج إسرائيل" في الوقت الذي عبرت فيه إسرائيل عن غبطتها بالمبادرة. فهل سيقتنع بذلك من كانوا يستمعون إلى خطابات الأخ القائد الملتهبة خلال أربعة وثلاثين عاما؟ إن "اللجان في كل مكان" وقد تكون اللجان في كل زمان أيضا.. وهي كفيلة بذلك.
لم يتخل القذافي عن برامجه التسلحية بمحض اختياره وبشكل مشرِّف – كما فعلت جنوب أفريقيا – بل اختار لذلك أسوأ ظرف، فربط الجميع بين هذا التخلي وبين اعتقال صدام حسين، بكل ما يحمله ذلك من دلالات الخنوع من طرف قائد الثورة الليبية الذي حمل راية التحدي والعنتريات ثلاثة عقود. ولم يتخل عنها في وقت مناسب يمكِّنه من تدارك بعض المحن التي قاد إليها شعبه، بل جاء قراره متأخرا سبعة عشر عاما، وقد كان الأولى - والخاتمة هذه - أن يرفع الراية البيضاء عام 1986 حينما قصفت الطائرات الأمريكية مقر إقامته.
لكن نظرية "الاستسلام الوقائي" هذه التي تمخض عنها ذهن العقيد القذافي مؤخرا، لا يمكن فهم أبعادها إلا بوضعها في إطار نظرية "الحرب الوقائية" التي تمخض عنها ذهن الرئيس الأمريكي جورج بوش منذ عامين. ففي معرض تبريره للحرب ضد العراق مطلع هذا العام صرح جورج بوش أن "الانتظار حتى يضرب الإرهابيون ليس خيارا، بل هو انتحار". بينما صرح لسان حال القذافي وغيره من القادة العرب أن الانتظار حتى تظهر طلائع الجيش الأمريكي ليس خيارا بل هو انتحار أيضا.
وهكذا ظهر في تاريخ المنطقة حلف جديد بين نظريتين تهدف إحداهما إلى الإخضاع وتبرر الأخرى الخضوع. وليست النظريتان جديدتين على الإطلاق، ولا هما ابتداع من القذافي وجورج بوش، بل كانتا موجودتين منذ عقود على الجانبين العربي والأمريكي، وليس التزام واشنطن "الأخلاقي" بتفوق إسرائيل على كل جيرانها العرب سوى تعبير عن منطق الإخضاع، وليست نظرية حسني مبارك حول "تجريد منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل" سوى صياغة مهذبة لمنطق الخضوع. إنما الجديد هو الجرأة في الطرح على الجانبين، دون مجاملة من السيد ولا حرج من العبد.
لقد كتبت يهوديت رونين من معهد "موشي دايان للدراسات الشرق الأوسطية والإفريقية" في تل أبيب أن مبادرة القذافي هي "هدية أعياد الميلاد" منه إلى جورج بوش، وهي محقة في ذلك، ففي ظل هذا الحلف الجديد، قدم القذافي لبوش ما عجز عنه في العراق، وأعطى مصداقية لفلسفة بوش وأمراء الحرب المحيطين به.
لكن موطن الضعف في التحالف الجديد بين "الحرب الوقائية" و"الاستسلام الوقائي" هو أن كلتا النظريتين تتغذى بالخوف وتغذيه، بينما تطمح كلتاهما إلى توفير السلم والأمن. ولذا فإن هذا الحلف سيكون له على الراجح أثر عكسي مدمر، على الأنظمة العربية وعلى المصالح الأمريكية. فتخلي الدولة - أي دولة – عن وظيفتها المبدئية في الدفاع عن أرواح مواطنيها وكرامتهم لا يمكن إلا أن يدفع مواطني تلك الدولة إلى أخذ أمر الدفاع والأمن بأيديهم. وظاهرة الإرهاب – في مدلولها السياسي والمجتمعي – لا تعدو أن تكون تحركا غير منطقي من شعوب تخلي قادتها عن كل منطق، وإمساك من الأفراد للقانون بأيديهم في بلدان لم يعد فيها قانون.
وهكذا فإن أمريكا بدفعها القادة العرب إلى حضيض الاستسلام، تزود الشعوب العربية بمزيد من دوافع الفعل العنيف والحركة غير الموزونة، وتتركها مكشوفة أمام مصيرها مجردا من كل زخرف أو غطاء. وهذا الانكشاف النفسي، المطعم بشيء من مرارة المهانة وروح الانتقام، سيكون أخطر على أمن الولايات المتحدة من الأسلحة الروسية الصدئة في مخازن بعض الدول العربية، وهو أخطر من برامج "أسلحة الدمار الشامل" الوهمية التي ظل القول حولها أكثر من الفعل بكثير.
وفي واقع يطبعه إفلاس السلطة وخضوعها وإخضاعها ينفتح في الدول العربية والإسلامية مجال واسع لمبادرات الأفراد والجماعات الخارجة على السلطة المحلية وعلى النظام الدولي كليهما، ممن لا يجدون مكانا لهم في عالم القوة هذا، ولا يجدون فيه أملا في إحقاق حق أو إقامة عدل. وهو ما يعني أن على الحلفاء الجدد من فلاسفة "الحرب الوقائية" و"الاستسلام الوقائي" أن يستعدوا لمصاعب مستقبيلة جدية، وما محاولة اغتيال الجنرال مشرف سوى إشارة إلى الأيام الدموية الآتية.
ليس من شأن القيادة الحياد، ولا طبيعة القيادة تسمح بذلك: فهي إما أن تقود أو تتحول إلى قيد، وبإمعان أمريكا في تقييد قادة الدول العربية والمسلمة، وتحويلهم إلى قيود على شعوبهم، وبإمعانها في إقصاء القوى السياسية - الإسلامية وغير الإسلامية - المؤمنة بالديمقراطية والحوار، والتي تصلح بديلا منطقيا لهذه الأنظمة، فإنها تعضِّد معسكر العنف السياسي، وتضع المبادرة في يد من يتبنونه نهجا وحيدا في المنازلة والتغيير.
وباستسلام قادة الدول العربية والإسلامية لهوى واشنطن في الطاعة غير المشروطة، وبإقصائهم منافسيهم من قوى التداول السلمي، فإنهم لا يتركون لشعوبهم من خيار سوى اللحاق بقوى العنف ودعمها، بعد أن انسدت كل السبل أمامها.. فهل يدرك الأمريكيون وزبناؤهم في المنطقة أي سياسة قصيرة النظر ينتهجون؟!
ويبقى القول إن القذافي بنى نظريته في الاستسلام الوقائي على قراءة سياسية خاطئة كالعادة، فهدف الولايات المتحدة ليس حماية أرواح الأمريكين من الأسلحة الليبية، ولو كان الأمر كذلك لهان الأمر وقرب المأخذ، لكن هدف الولايات المتحدة لا صلة له بذلك، ولم تكن الأسلحة الليبية – حتى في عز الحماس الثوري لدى العقيد – خطرا على أرواح الأمريكيين. فنزع الأسلحة لن يغير من أهداف أمريكا، ولن يوقف طموحها في ضم ليبيا – بعد العراق - إلى لائحة الدول العربية النفطية التي تتحكم في قرارها الاستراتيجي منذ خمسين عاما، والعقيد القذافي ولو خرج من جلده لا يصلح عضوا في ذلك النادي.
وتؤكد لنا مبادرة القذافي المفاجئة لليبيين قبل غيرهم أن شرعية القرار السياسي تستلزم وجود سلطة شرعية ابتداء، فالفصل بين شرعية بناء السلطة وشرعية أدائها الذي طالما استغله القادة "الثوريون" العرب لتبرير تسلطهم لم يعد له معنى، ولم يعد أمام الشعوب سوى تغيير بنية السلطة بما يجعلها تتجاوز ذاتها وتخدم الشعب، بدلا من خدمة الذات أو خدمة الأجنبي المتحكم. إن ما دعاه الدكتور برهان غليون "تغيير منطق السلطة" هو الخيار الوحيد أمام الشعوب العربية للحفاظ على ما تبقى لها من ماء وجه يكاد يغيض، ومقومات بقاء تكاد تنضب
يقولون إن الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب، لكن يبدو أن حرب واشنطن على ما يدعى "الإرهاب" ستكون استثناء من هذا القول: فقد أدت إلى تكشف العديد من الحقائق وانكشاف العديد من السوءات أمام الشعوب العربية، وأهمها حقيقة بعض الأنظمة التي طالما تغذت على شعارات التحرر والثورة.
لقد أسلم الحكام العرب - وآخرهم القذافي - شعوبهم أمام أول عدو طارق، وتخلوا عن آخر مقومات الشرعية السياسية، لكن أمرا واحدا يستحقون عليه الشكر الجزيل، رغم أنه جاء متأخرا بعض الشيء، وهو أنهم كشفوا عن وجوههم حاسرة في نهاية المطاف.. فشكرا لهم نيابة عن كل مواطن عربي..
وأخيرا لا بد أن نعترف أن عقيدة بوش في الحرب الوقائية برهنت على نجاحها في التعاطي مع أنظمة غير شرعية لا يهمها غير حماية عروشها المتهاوية، لكن هل تنجح تلك العقيدة في التعاطي مع أمة عظيمة بدأت تتقدم إلى مسرح التاريخ بعد طول غياب؟